تنقل ماليهي رضازان وروز أجيلار في هذا الحوار الإذاعي الخاص صورة مكثفة عن الحياة اليومية في غزة، عبر أصوات صحفيين فلسطينيين يكتبون من قلب التجربة. يركّز النقاش على مشروع يوم من أجل غزة الذي أطلقته مجلة ذا نيشن، ويضم شهادات وتقارير مباشرة تكشف الفجوة بين الخطاب السياسي الرسمي والواقع المعاش تحت القصف والحصار.
توضح كالو أن الحلقة تأتي ضمن برنامج يور كول، حيث يجتمع محررون وصحفيون لمناقشة كيف تغيّرت لغة “وقف إطلاق النار” نفسها، ولماذا لم تعد تعني توقف العنف بقدر ما أصبحت أداة لإدارته وإخفائه لغويًا.
غزة بين الرواية الرسمية والواقع اليومي
يناقش المشاركون كيف يعيد مشروع يوم من أجل غزة وضع الإنسان الفلسطيني في مركز السرد، بعيدًا عن أرقام البيانات الرسمية. يشرح الصحفي محمد ر. محاويش، الكاتب المساهم في ذا نيشن، أن ما يُقدَّم دوليًا بوصفه “تهدئة ناجحة” لا يعكس ما يعيشه الناس على الأرض.
يكتب محاويش أن اتفاقًا وُصف بأنه يهدف إلى إنهاء عامين من القتل لم يمنع استمرار سقوط الضحايا، إذ قُتل منذ ذلك الحين أكثر من 420 فلسطينيًا بنيران إسرائيلية، بمعدل يقارب أربعة أشخاص يوميًا، بينما يواصل الوسطاء الدوليون الحديث عن خفض التصعيد. تكشف هذه المفارقة، بحسبه، كيف أُعيد توظيف مفهوم وقف إطلاق النار ليغدو غطاءً لغويًا لاستمرار القوة العسكرية، لا توقفها.
يرى المشاركون أن هذه اللغة المعقّمة تخلق مسافة أخلاقية بين صناع القرار ومعاناة المدنيين، وتحوّل العنف المستمر إلى “إدارة أزمات” بدل التعامل معه كجريمة مستمرة.
الصحافة كشهادة لا كوساطة
يسلط النقاش الضوء على دور الصحفيين الفلسطينيين بوصفهم شهودًا مباشرين، لا مجرد ناقلين للمعلومة. يشارك ريان الأمين، المحرر الضيف للمشروع، رؤية تؤكد أن الكتابة من غزة ليست تمرينًا مهنيًا باردًا، بل فعل بقاء وتوثيق في آن واحد.
يتناول الحوار كيف يعيش الصحفيون تحت القصف، وكيف يكتبون بينما تنقطع الكهرباء والمياه، وتنهار البيوت من حولهم. لا تقتصر القصص على لحظات الموت، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: البحث عن الخبز، حماية الأطفال من صوت الطائرات، ومحاولة الحفاظ على معنى للوقت في مكان يُفرغ الزمن من طبيعته.
يشير جاك ميركينسون، المحرر البارز في ذا نيشن، إلى أن قوة المشروع تكمن في كسره لاحتكار السرد، إذ يتيح للفلسطينيين تسمية تجربتهم بأنفسهم، بدل أن تُعاد صياغتها عبر مكاتب بعيدة أو عناوين إخبارية مختزلة.
“وقف إطلاق النار” كلغة للسيطرة
يركّز النقاش على التحول الخطير في معنى المصطلحات السياسية. لم يعد وقف إطلاق النار، وفق ما يطرحه محاويش، لحظة إنسانية لالتقاط الأنفاس، بل أصبح تقنية لإدارة العنف بجرعات محسوبة. يسمح هذا التحول باستمرار القتل ضمن “سقف مقبول” دوليًا، طالما ظل ضمن إطار لغوي يوحي بالتهدئة.
تربط الحلقة بين هذه اللغة وبين أنظمة مراقبة شاملة تفرضها إسرائيل على غزة، حيث تُراقَب الحياة اليومية وتُستهدف ضمن منظومة تقنية معقدة. لا يعيش الناس فقط تحت القصف، بل تحت شعور دائم بأن كل حركة مرصودة، وكل مساحة مكشوفة.
ترى رضازان وأجيلار أن هذه الشهادات تضع الإعلام الدولي أمام اختبار أخلاقي: هل يكتفي بترديد لغة البيانات، أم ينحاز إلى الروايات التي تكشف ما تخفيه تلك اللغة؟ تشير الحلقة إلى أن الصحافة، حين تنقل التجربة الإنسانية بلا تزيين، تستطيع تفكيك الخطاب الذي يفرغ الكلمات من معناها.
أصوات من الداخل في مواجهة النسيان
تؤكد الحلقة أن أهمية يوم من أجل غزة لا تكمن فقط في توثيق العنف، بل في مقاومة النسيان. تمنح هذه القصص مساحة للذاكرة الفلسطينية كي تبقى حية، وتمنع اختزال غزة في مشاهد دمار بلا أسماء.
تختم رضازان وأجيلار بأن الاستماع إلى الصحفيين الفلسطينيين ليس فعل تضامن رمزي فحسب، بل ضرورة مهنية لفهم ما يجري فعلًا. حين يتكلم من يعيش الحدث، تتعرّى الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع، ويصبح الصمت أصعب.
في عالم تزداد فيه المسافة بين اللغة والواقع، تذكّر هذه الشهادات بأن الكلمات ليست بريئة، وأن إعادة معناها تبدأ بالإنصات لمن يدفعون ثمنها كل يوم.

